أحمد بن محمد القسطلاني

321

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( يصوم ) منه ( حتى نظن أن لا يفطر ) بالنصب ، وللأصيلي : أنه لا يفطر ، بالرفع ، ( منه شيئًا وكان ) عليه الصلاة والسلام ( لا تشاء أن تراه من الليل مصليًا إلا رأيته ) مصليًا ( ولا ) تشاء أن تراه من الليل ( نائمًا إلا رأيته ) نائمًا . أي : ما أردنا منه ، عليه الصلاة والسلام ، أمرًا إلا وجدناه عليه ، إن أردنا أن يكون مصليًا ، وجدناه مصليًا ، وإن أردنا أن نراه نائمًا ، وهو يدل على أنه ربما نام كل الليل ، وهذا سبيل التطوع ، فلو استمر الوجوب في قوله : { قُمِ اللَّيْلَ } [ المزمل : 2 ] لما أخل بالقيام . وفيه أيضًا أن صلاته ونومه كانا يختلفان بالليل ، وأنه لا يرتب وقتًا معينًا ، بل بحسب ما تيسر له من قيام الليل . لا يقال : يعارضه قول عائشة : كان إذا سمع الصارخ قام . فإن كلاً من عائشة وأنس أخبر بما اطلع عليه . ورواته ما بين : مدني وبصري ، وفيه : التحديث والعنعنة والسماع والقول ، وأخرجه المؤلّف أيضًا في الصوم . ( تابعه ) أي تابع محمد بن جعفر ، عن حميد ( سليمان ) هو : ابن بلال كما جزم به خلف ( وأبو خالد ) سليمان بن حيان ( الأحمر ) أو : الواو زائدة في : وأبو ، من الناسخ ، فإن أبا خالدًا اسمه سليمان ، ( عن حميد ) الطويل . ومتابعة أبي خالد وصلها المؤلّف في : الصوم . 12 - باب عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إِذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ ( باب عقد الشيطان على قافية الرأس ) أي : قفاه ، أو مؤخر العنق ، أو مؤخر الرأس ، أو وسطه ، ( إذا ) نام و ( لم يصل ) صلاة العشاء ( بالليل ) . 1142 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ « يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ : عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ . فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ ، وَإِلاَّ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ » . [ الحديث 1142 - طرفه في : 3269 ] . وبه قال : ( حدّثنا عبد الله بن يوسف ) التنيسي ( قال : أخبرنا مالك ) الإمام ( عن أبي الزناد ) عبد الله بن ذكوان ( عن الأعرج ) عبد الرحمن بن هرمز ( عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، أن رسول الله ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، قال ) : ( يعقد الشيطان ) إبليس ، أو أحد أعوانه ( على قافية رأس أحدكم ) . ظاهره التعميم في المخاطبين ، ومن في معناهم ، ويمكن أن يخص منه من صلّى العشاء في جماعة ، كما مر ، ومن ورد في حقه أنه يحفظ من الشيطان : كالأنبياء ، ومن يتناوله قوله : { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ } [ الإسراء : 65 ] وكمن قرأ آية الكرسي عند نومه ، وقد ثبت أنه يحفظ من الشيطان حتى يصبح . ( إذا هو نام ) وللحموي والمستملي : إذا هو نائم ، بوزن فاعل ، قال الحافظ ابن حجر : والأول أصوب ، وهو الذي في الموطأ . وتعقبه العيني : بأن رواية الموطأ لا تدل على أن ذلك أصوب ، بل الظاهر أن رواية المستملي أصوب لأنها جملة اسمية والخبر فيها اسم ( ثلاث عقد ) نصب مفعول يعقد ، وعقد بضم العين وفتح القاف ، جمع عقدة ( يضرب ) بيده ( كل عقدة ) منها ولأبي ذر : على مكان كل عقدة ، وللأصيلي وأبي ذر ، عن الكشميهني : عند مكان كل عقدة ، تأكيدًا وأحكامًا لما يفعله قائلاً : باق ( عليك ليل طويل ) أو : عليك ليل مبتدأ ، أو خبر مقدم . فليل رفع على الابتداء أي : باق عليك ، أو إضمار فعل أي : بقي عليك ( فارقد ) . كأن الفاء رابطة شرط مقدر ، أي : وإذا كان كذلك ، فارقد ولا تعجل بالقيام ، ففي الوقت متسع . وهل هذا العقد حقيقة فيكون من باب عقد السواحر { النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } [ الفلق : 4 ] وذلك بأن يأخذن خيطًا ، فيعقدن عليه منه عقدة ، ويتكلمن عليه بالسحر ، فيتأثر المسحور حينئذ بمرض أو تحريك قلب أو نحوه ، وعلى هذا فالمعقود شيء عند قافية الرأس لا قافية الرأس نفسها . وهل العقد في شعر الرأس أو غيره ؟ الأقرب أنه في غيره ، لأنه ليس لكل أحد شعر ، وفي رواية ابن ماجة على قافية رأس أحدكم حبل فيه ثلاث عقد ، ولأحمد : إذا نام أحدكم عقد على رأسه بجرير ، وهو بفتح الجيم : الحبل . وقيل العقد مجاز كأنه شبه فعل الشيطان بالنائم بفعل الساحر بالسحور ، فلما كان الساحر يمنع بعقده ذلك تصرف من يحاول عقده ، كان هذا مثله من الشيطان للنائم ، وقيل : معنى يضرب ، يحجب الحس عن النائم حتى لا يستيقظ ، ومنه قوله تعالى : { فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ } [ الكهف : 11 ] أي : حجبنا الحس أن يلج في آذانهم ، فينتبهوا . فالمراد تثقيله في النوم وإطالته ، فكأنه قد شد عليه شداد ، أو عقد عليه ثلاث عقد . والتقييد بالثلاث : إما للتأكيد ، وأن الذي ينحل به عقده ثلاثة : الذكر ، والوضوء ، والصلاة . كما أشار إليه بقوله : ( فإن استيقظ ) من نومه ( فذكر الله ) بكل ما صدق عليه الذكر ، كتلاوة القرآن ، وقراءة الحديث ، والاشتغال بالعلم الشرعي ( انحلت عقدة ) واحدة من الثلاث ( فإن توضأ انحلت عقدة ) أخرى ثانية ( فإن صلّى ) الفريضة أو النافلة ( انحلت عقدة )